محمد سعيد رمضان البوطي
279
فقه السيرة ( البوطي )
سوقا ؟ وكيف يمكن أن تفهم عقلية القرن العشرين مثل هذه الشرعة ؟ ! . . والجواب أنّا نتساءل : فما الحكمة من أن يحمل الفرد الواحد من الدولة حملا على الخضوع لنظامها وفلسفتها ، رغم ما يملكه من الحرية الحقيقية وما يتمتع به من حقيقة المساواة مع غيره من عامة أفراد الدولة حكاما ورعايا ؟ ! . . إن الإنسان إنما خلق فوق هذه الأرض ليقيم عليها دولة اللّه تعالى وحكمه فتلك هي حكمة وجوده وهي المعنى المقصود بالخلافة في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ، وفلسفة هذه الدولة قائمة على حقيقة العبودية للّه تعالى وحده ، ونظامها قائم على الإذعان بأن الحاكمية هي للّه وحده ، لأن وحده مالك الإنسان ومالك كل شيء لأنه هو وحده قيوم السماوات والأرض . فكيف يعقل أن يكون لدولة يقوم عليها عبيد مملوكون للّه ، حق إلزام رعاياهم بالخضوع لما يرونه لهم من النظم والمبادئ والأحكام ، ثم لا يكون لخالق هؤلاء كلهم الحق في أن يلزمهم بالخضوع لسلطانه والتحول عن كل عقيدة ودين إلى دينه ؟ ! . . وإذا كان الإنسان هو خليفة اللّه تعالى في تطبيق أوامره وأحكامه في الأرض ، فهل يكون الإلزام بالخضوع لسلطانه وحكمه إلا بواسطة الإنسان إذ يدخل في دينه ويبايع اللّه تعالى على بذل النفس والمال في سبيل إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي اللذين إنما خلق الإنسان لإقامتهما . وليس من المهم بعد أن تفهم هذا ، أن يكون في القرن العشرين عقول لا تريد أن تستسيغ هذا أو تفهمه ، لأن من الطبيعي أن تكون ثمة عقول من هذا النوع ، ما دام أن هناك أمشاجا وأخلاطا من الناس يحترفون مهمة الغزو الفكري بغية حقن الشعور الإسلامي في العالم بالحقن المتوالية المخدرة والمنومة ، وهم ليسوا مشفقين على الحرية الإنسانية بمقدار ما يتربصون بها . وليت شعري أي قيمة توجد للحرية عند أولئك الذين يظلون يكذبون على أنفسهم وعلى شعوبهم ، إذ يصورون لهم الإسلام بالصور الكاذبة المنفرة ، ويصورون لهم المسلمين همجا من الناس لا يزالون يعيشون في البوادي مع الإبل والأنعام ، كي يصدوا بذلك تطلعاتهم الفكرية إلى فهم الإسلام ويحبسوا دوافع البحث عندهم ضمن خيوط عنكبوتية حقيرة ، حتى لا يطلعوا على حقيقة الإسلام فيؤمنوا فيه ، فتدول بذلك دولة البغي على الإنسان في أتعس أشكاله القذرة .